ابن رشد
73
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس
اللحم ؛ ومنها ما هما غليظتان كثيرتا اللحم ، ومن الأبدان ، ما الصدر منها واسع ؛ ومنها ما هو ضيق ، شبيه باللوح . وإذا كان مع ذلك ما يلي الكتفين عديما للحم ، بارزا بمنزلة الجناحين ، فإنّ الأطبّاء يسمّون هؤلاء المجنّحين . ومبلغ رداءة هذه الخلقة بيّن ، لأن الفضاء الذي فيه القلب والرئة يضيق عنهما . ولأعضاء البدن حالات آخر كثيرة ، إذا زال البدن فيها عن المناسبة الطبيعية ، في أول خلقته في الرحم ، دل على سوء مزاج مختلف عرض له عند الكون ؛ فلذلك لا ينبغي أن يستدل على البدن من عضو واحد . فإنّا لا نجد الذين يستعملون علم الفراسة ، يستدلون على الخلق من عضو واحد ؛ لكن يعتمدون على التجربة في ذلك من غير أن يعلموا سبب ذلك ، مثل قولهم ، « إنّ من كان من الشعر في مقدم رأسه كثيرا ، فهو شبيه بالأسد في الشجاعة ؛ ومن كان أرب الفخذين ، فهو محب في الجماع كتيس » . فهذا إنما أخذوه من جهة التجربة فقط . والناظر في العلم الطبيعي يطلب أسباب هذه ، مثل قولهم ، « إنه لما كانت أعضاء أبدان الحيوان من أفعال النفس ، وجب أن يختلف باختلاف الأفعال في حيوان حيوان ، وأن تكون مناسبة لذلك الفعل » . وذلك كالأسد ، مثلا ، لما كان فعله هو الشجاعة ، وجب أن تكون أعضاؤه خاصة بهذا النفس ، فإذا وجدت أعضاء إنسان ، ما شبيهة بأعضائه ، دل ذلك منه على أنه شجاع . قال وقد وصف هذه الأشياء أرسطو ، فأجاد في ذلك . / / فأما ما يحتاج إليه في هذا العلم ، فهو أن يستدل على أمزجة الناس من قبل خلق أعضائهم ، وألا يقضي في ذلك بعضو واحد ؛ مثل أن يقضي على من غلب الشعر على مقدم رأسه ، أن بدنه كله ، حار يابس ؛ لكن الذي يصح به القضاء من هذا الدليل ، هو أن مزاج القلب من هذه صفته في غاية الحرارة ، وأنه شديد الغضب ؛ فإنه لا يمتنع أن يكون القلب من إنسان بهذه الصفة ، ولا يكون بدنه كله على مثل هذه الحال ؛ وذلك إذا لم تكن سائر أعضائه على ما يقتضيه هذا المزاج للقلب . وذلك أنه يقتضي أن يكون صدره كله واسعا ، ويكون العروق الغير ضوارب واسعة ، والضوارب عظيمة ، ونبضه في غاية العظم والقوة ؛ ويكون بدنه كله قويا ، أي ذو أعضاء قوية ، ومفاصل قوية ، ويكون في البدن كله شعر كثير ، ويكون شعر الرأس في السن الأول سريع النمو ، جعدا ، أسود ؛ فإذا تمادى به الزمان ، لحقه الصلع ، ويكون الجلد مائلا إلى السوداء والصلابة .